تحل اليوم ذكرى ميلاد كوكب الشرق أم كلثوم، التي وُلدت في 31 ديسمبر 1898، ولم تكن مجرد مطربة عظيمة، بل رمزًا وطنيًا وإنسانيًا جسّد حب الوطن والانتماء في مواقفها وأغنياتها، حيث حرصت طوال مسيرتها الفنية على تقديم أعمال وطنية خالدة، وكانت تختار موضوعاتها بعناية، بل وتكلف كبار الشعراء وكتاب الأغاني بكتابة ما يعبر عن قضايا الأمة العربية.

أم كلثوم والقضية الفلسطينية
وفي شهادات معاصريها، بعيدًا عن الأعمال الدرامية المثيرة للجدل، لعبت أم كلثوم دورًا مؤثرًا في دعم القضية الفلسطينية منذ بداياتها، إذ سافرت عام 1928 إلى فلسطين، وأحيت حفلات غنائية في القدس ويافا وحيفا، في جولة فنية تركت أثرًا واسعًا.
وعادت أم كلثوم من هذه الجولة وقد أطلقت عليها الصحافة الفلسطينية لقب “كوكب الشرق”، وهو اللقب الذي التصق باسمها لاحقًا. ونتيجة لأغانيها الوطنية، أصدرت السلطات الإسرائيلية حكمًا غيابيًا بإعدامها، متهمة إياها بـ إثارة الجماهير العربية ضد الصهيونية.
وذكرت جريدة البلاغ آنذاك أن الاتهام جاء بسبب غنائها لأغنية فلسطين التي تحفز الشعب العربي على المقاومة، خاصة عبارة: «تؤخذ الدنيا غلابًا».

أغانيها الوطنية ودعم فلسطين
وقدمت أم كلثوم العديد من الأغاني الداعمة للقضية الفلسطينية، من بينها قصيدة كتبها الشاعر صلاح جاهين ولحنها رياض السنباطي، حملت كلمات قوية جسدت الألم والأمل والمقاومة، وعبرت عن ارتباط فلسطين بالوجدان العربي، لتؤكد أن الفن كان لديها سلاحًا للوعي والتحريض على الكرامة.

الحرب العالمية الثانية ومكانتها السياسية
وخلال الحرب العالمية الثانية، ومع تصاعد الخلاف بين المصريين حول تأييد الإنجليز أو الألمان، كشفت شهادات الصحفي الكبير محمد التابعي عن أن السلطات البريطانية كانت تخشى تأثير أم كلثوم وعبد الوهاب، إلى حد أنها طلبت إخراجهما من مصر في حال الانسحاب، خوفًا من استغلال صوتهما في الدعاية المضادة، نظرًا للتأثير الجماهيري الواسع للإذاعة المصرية حين تغني أم كلثوم.

ثورة يوليو وإنصاف عبد الناصر
وبعد ثورة 23 يوليو 1952، صدر قرار بمنع إذاعة أغاني أم كلثوم باعتبارها من العهد السابق، لكنها لاقت إنصافًا تاريخيًا من الرئيس جمال عبد الناصر، الذي رفض هذا القرار قائلًا: «إذن علينا أن نهدم الأهرامات لأنها من العهد البائد»، وأمر بإعادة بث أغانيها، بل وحرص على حضور حفلاتها الشهرية.
وأصبحت هذه الحفلات مهرجانًا للطرب الأصيل، يحضره ملوك وأمراء عرب، يأتون خصيصًا إلى القاهرة للاستماع إلى صوتها.

بعد نكسة 1967.. صوت للمعركة
عقب نكسة يونيو 1967، كان لأم كلثوم دور وطني بارز، حيث قررت القيام بجولات غنائية في الدول العربية، خصصت إيراداتها بالكامل لدعم المجهود الحربي المصري. وبدأت جولتها من باريس على مسرح الأوليمبيا، حيث لُقبت هناك بـ سفيرة الغناء المصري والعربي.
دار أم كلثوم للأعمال الخيرية
ولأن الفن قرين الخير، وضعت أم كلثوم في أواخر عام 1972 حجر الأساس لمشروع دار أم كلثوم للأعمال الخيرية، والذي شمل فندقًا سياحيًا ومسرحًا وصالة موسيقى ودارًا للأعمال الخيرية، بتمويل كامل على نفقتها الخاصة، ليظل اسمها مرتبطًا بالعطاء والعمل الإنساني.


رمز خالد للوطنية
وهكذا بقيت أم كلثوم نموذجًا نادرًا للفنانة الوطنية، التي سخرت صوتها ومكانتها لخدمة وطنها وأمتها، فاستحقت أن تبقى رمزًا خالدًا لحب الوطن والانتماء، وصوتًا لا يغيب عن ذاكرة التاريخ العربي.
الرابط المختصر:










